ektsadna.com
تحليل سوق العملات الرقمية

انهيار تريليون دولار: هل تبدأ حقبة جديدة في أسواق العملات الرقمية؟

انهيار تريليون : هل تبدأ حقبة جديدة في أسواق العملات الرقمية؟

شهد الرقمية العالمي مؤخرًا إحدى أشد الانكماشات الهيكلية في تاريخه، حيث محت سلسلة تصفية استمرت 41 يومًا مبلغًا هائلاً قدره 1.1 تريليون دولار من القيمة السوقية. هذا الحدث، الذي وصفه المحلل شانكا أنسلم بيريرا بأنه نهاية “عصر الرافعة المالية العالية”، يمثل نقطة تحول نحو بيئة تداول مدفوعة بشكل أكبر بالمؤسسات، ويشير إلى تغيير جذري في ديناميكيات هذا السوق المتقلب. ما الذي حدث بالضبط، وما هي تداعيات هذا “الإعادة الهيكلية” على مستقبل العملات المشفرة؟

ميكانيكا إعادة ضبط السوق: تفاصيل انهيار غير مسبوق

كشف بحث بيريرا أن الفترة ما بين 6 أكتوبر و17 نوفمبر شهدت خسارة منصات الأصول الرقمية لحوالي 27 مليار دولار يوميًا. وصف الخبير هذا الانهيار بأنه “إعادة ضبط هيكلي” وليس مجرد تصحيح دوري عادي. كانت الآثار واضحة بشكل خاص على العملة الرقمية الرائدة، ال، التي تراجعت من أعلى مستوياتها التاريخية التي تجاوزت 126,000 دولار إلى أدنى مستويات حول 93,000 دولار، وهو انخفاض بنسبة 25%. هذا التراجع، في رأي بيريرا، دفع البيتكوين رسميًا إلى مرحلة هبوط حاسمة، أو ما يُعرف بـ “سوق الدببة”.

وأشار بيريرا إلى أن “البيتكوين، العملة الرقمية الرائدة، هبطت من ذروتها في أكتوبر عند 126,270 دولارًا إلى أدنى مستوى في نوفمبر بالقرب من 93,000 دولار، وهو ما يمثل انخفاضًا بنسبة 25% يؤهلها تقنيًا لدخول منطقة سوق الدببة.” هذه الأرقام لا تروي سوى جزء من القصة؛ فالبيانات المستمدة من سوق المشتقات المالية تكشف مدى انكشاف مساحة العملات الرقمية على المخاطر. ارتفعت الفائدة المفتوحة في عقود البيتكوين الآجلة الدائمة فوق 40 مليار دولار بحلول أوائل أكتوبر، مع إشارات قوية من معدلات ال على مراكز شراء مفرطة (Long positioning).

لكن عندما ضربت الضغوط الكلية (Macro pressure) السوق، بما في ذلك تشديد السيولة الدولارية، وإغلاق الحكومة الأمريكية لمدة 43 يومًا، واحتكاكات التجارة العالمية، بدأت مراكز الشراء ذات الرافعة المالية العالية في التفكك بشكل كارثي. كان حدث التصفية الذي وقع في 10 أكتوبر وحده كافيًا لإحداث خسائر تقدر بحوالي 19.2 مليار دولار، مسجلاً أكبر إغلاق قسري في تاريخ العملات الرقمية. هذا الرقم المخيف يوضح حجم الهشاشة التي كانت تكمن في صميم السوق.

استمر الضغط على السوق حتى منتصف نوفمبر، حيث تراجع سعر البيتكوين إلى ما يزيد قليلاً عن 93,000 دولار في 16 نوفمبر بعد أن كان يتداول بالقرب من 106,500 دولار في وقت سابق من الأسبوع. جاء هذا الانخفاض حتى مع تلميحات وزير الخزانة الأمريكي، سكوت بيسينت، بإمكانية توقيع اتفاق تجاري بين الولايات المتحدة والصين قبل عيد الشكر. يبدو أن عوامل السوق الكلية كانت أقوى من أي أخبار إيجابية محتملة.

الأثر على العملات الرقمية الرئيسية والسبب الجذري

لم يقتصر الألم على البيتكوين وحدها؛ بل امتد ليشمل جميع العملات الرقمية الرئيسية. الإيثيريوم (ETH) شهدت انخفاضًا بأكثر من 12% في الأيام السبعة الأخيرة، لتتداول بالقرب من 3,200 دولار. في الوقت نفسه، تراجعت عملات رئيسية أخرى مثل XRP وBNB وسولانا (SOL) بنسب تتراوح بين 8% و17% خلال نفس الفترة، وفقًا لبيانات CoinGecko. هذا الانكماش الواسع النطاق يؤكد الطبيعة المترابطة للسوق ويشير إلى أن الأزمة كانت نظامية وليست مقتصرة على أصول معينة.

وفقًا لبيريرا، كان السبب الجذري لهذا الانهيار هو بيئة تداول مشبعة بالرافعة المالية. شرح بيريرا أن المتداولين كانوا يستخدمون نسب رافعة مالية تتراوح بين 50x وحتى 100x. في ظل هذه الظروف، كان مجرد تحرك سلبي في الأسعار بنسبة 1-2% كافيًا لإطلاق عمليات تصفية تلقائية ضخمة، مما يؤدي إلى موجة بيع متسارعة تُعرف بـ “شلال التصفية” (Liquidation Cascade). هذه الميكانيكية المعيبة هي التي حولت الانخفاضات الطفيفة إلى انهيارات مدمرة.

من دورات ال إلى مقياس السيولة الكلية

بالنسبة للعديد من المحللين، تكمن القصة الأكبر في ما يخبرنا به هذا الحدث عن كيفية عمل سوق العملات الرقمية الآن. في ه، أكد بيريرا اً سابقًا من K33 Research، مجادلًا بأن إيقاع “التعدين” الشهير للبيتكوين الذي يحدث كل أربع سنوات قد “تم إبطال مفعوله” بسبب صعود صناديق ال المتداولة الفورية (Spot ETFs) واستراتيجيات المؤسسات المتعمقة، من تداولات الأساس (Basis trades) إلى مقتنيات الخزانة. بدلًا من الاعتماد على تقلبات السوق التي يدفعها المستثمرون الأفراد، يتفاعل البيتكوين الآن بشكل أكثر مباشرة مع السيولة الدولارية و أسعار الفائدة وتقلبات الأسهم.

عكست هذه الرؤية “رسالة كوبيسي” (The Kobeissi Letter)، التي وصفت أيضًا ما يحدث في سوق العملات الرقمية بأنه “حركة هيكلية”، مشيرة إلى نظام جديد تملي فيه الرافعة المالية والتصفيات سلوك السوق. ومع ذلك، ذكر حساب التعليقات المالية متابعيه بأن مستويات قياسية جديدة قد تبعت كل انخفاض يزيد عن 25% في تاريخ العملات الرقمية، مما يمنح بارقة أمل للمستثمرين الصبورين.

آفاق المستقبل: من البيع القسري إلى التراكم الهادئ

في غضون ذلك، تشير البيانات على السلسلة وبيانات المعنويات إلى أن السوق قد ينتقل من مرحلة البيع القسري إلى مرحلة التراكم الهادئ. تراجع مؤشر “الخوف والجشع” (Fear and Greed Index) إلى 10 خلال عطلة نهاية الأسبوع الماضية، وهو أدنى قراءة له منذ فبراير، مما يشير إلى تشاؤم شديد غالبًا ما يسبق فترات التعافي. في الوقت نفسه، توسعت إمدادات (Stablecoin supply) بحوالي 20 مليار دولار هذا العام. هذه “القوة الجافة” (Dry powder) غالبًا ما تدخل السوق بعد التصحيحات الحادة، مما يوفر رأس مال جديدًا يمكن أن يغذي الانتعاش المحتمل. تشير هذه المؤشرات إلى أن المستثمرين الأذكياء قد يرون في هذا الانخفاض فرصة للشراء بسعر مخفض، متوقعين ارتفاعًا مستقبليًا.

يُعد هذا الانهيار البالغ 1.1 تريليون دولار بمثابة جرس إنذار وتحول جذري لسوق العملات الرقمية. فمع نهاية عصر الرافعة المالية المفرطة وبداية التركيز على الديناميكيات الكلية والاستثمار المؤسسي، يبدو أن السوق يتجه نحو نضج أكبر، وإن كان هذا النضج يأتي مصحوبًا بآلام نمو كبيرة. يبقى السؤال: هل سيتمكن السوق من التعافي ليحقق مستويات قياسية جديدة، أم أن هذا الانكماش سيغير وجه العملات الرقمية إلى الأبد؟ فقط الوقت كفيل بالإجابة، لكن المؤكد هو أننا نشهد حقبة جديدة بالفعل.

مواضيع مشابهة