انهيار بيتكوين أم صمود إيثريوم؟ بيانات البلوك تشين تكشف الحقيقة الصادمة
شهدت أسواق العملات المشفرة، وتحديدًا بيتكوين، فترة من التقلبات العنيفة أثارت قلق المتداولين والمستثمرين على حد سواء. فبعد أن كانت تتداول قرب 107,000 دولار في 11 نوفمبر، انزلقت بيتكوين لتلامس مستويات 81,000 دولار بحلول 21 نوفمبر، في تراجع حاد هز الثقة في السوق. هذا الانزلاق السريع دفع الكثيرين للتساؤل عما إذا كنا نشهد بداية انهيار أوسع نطاقًا في قطاع العملات الرقمية.
ومع ذلك، تكشف البيانات الجديدة المتوفرة على سلسلة الكتل (On-Chain Data) قصة مختلفة تمامًا. تشير هذه البيانات إلى أن ما حدث كان في المقام الأول حالة ذعر خاصة ببيتكوين (Bitcoin panic)، وليس انهيارًا شاملًا لعملة إيثريوم (Ethereum meltdown). هذا التمييز الدقيق يحمل أهمية كبرى للمتداولين والمحللين على حد سواء، لأنه يغير منظور فهمنا للديناميكيات الحالية للسوق ويساعد في تحديد الاستراتيجيات المستقبلية.
قصة عمليتي بيع مختلفتين: بيتكوين مقابل إيثريوم
قدم تحليل صادر عن XWIN Research Japan رؤى قيمة حول كيفية اختلاف استجابة العملتين الرقميتين الرائدتين، بيتكوين وإيثريوم، خلال فترة التصحيح التي امتدت من أكتوبر إلى نوفمبر. بالنظر إلى المؤشر بدءًا من 1 أكتوبر، تراجعت بيتكوين إلى مستويات منخفضة في السبعينات بحلول أواخر نوفمبر، بينما انزلقت إيثريوم إلى مستويات الستينات.
تاريخيًا، غالبًا ما كان تراجع بيتكوين بنسبة 30% يعني ضربة أكبر لإيثريوم تتراوح بين 40% إلى 50%. هذا النمط يعود إلى حقيقة أن إيثريوم، كعملة بديلة (altcoin)، تميل إلى أن تكون أكثر تقلبًا وحساسية لحركات بيتكوين. ولكن هذه المرة، ظلت الفجوة بين العملتين ضيقة بشكل غير معتاد، مما يشير بوضوح إلى أن إيثريوم صمدت بشكل أفضل من المعتاد حتى مع انتشار موجة الخوف في السوق الأوسع.
هذا الاختلاف الجوهري في الأداء لا يعود إلى الصدفة، بل له أسباب عميقة ومتأصلة في آليات عمل سلسلة الكتل الخاصة بإيثريوم، والتي سنستكشفها في الأقسام التالية. فهم هذه الديناميكيات ضروري لأي شخص يسعى لفهم تعقيدات سوق العملات المشفرة والقدرة على التمييز بين أنواع الانهيارات المختلفة.
لماذا صمدت إيثريوم بشكل أفضل؟ البيانات على السلسلة تكشف الأسباب
السبب الرئيسي وراء مرونة إيثريوم يكمن في بنيتها التحتية والتحسينات التي طرأت عليها. منذ تحديث “The Merge” التاريخي، تغيرت ديناميكيات العرض والطلب لإيثريوم بشكل كبير، مما قلل من المعروض المتاح للبيع خلال فترات الذعر في السوق.
الرهن العقاري (Staking) ودوره في تقليل المعروض
أحد العوامل الأساسية هو ازدياد حصة إيثريوم المحجوزة في عملية الرهن العقاري (staking). بعد الانتقال إلى آلية إثبات الحصة (Proof-of-Stake)، يمكن لحاملي إيثريوم “رهن” عملاتهم لدعم أمن الشبكة وكسب مكافآت. هذا يعني أن جزءًا كبيرًا من عملات إيثريوم لا يتم تداولها بحرية في السوق، بل هي محجوزة لفترات زمنية معينة.
كلما زادت نسبة إيثريوم المرهونة، قل المعروض المتاح للبيع الفوري. خلال أوقات التقلب الشديد والذعر، يكون المتداولون أقل عرضة لبيع عملاتهم المرهونة لأن ذلك يتطلب عملية فك رهن تستغرق وقتًا وتفقد الأرباح المحتملة. هذا يقلل بشكل فعال من ضغط البيع الذي قد يؤدي إلى انزلاق الأسعار بشكل حاد.
آلية EIP-1559 وحرق العملات
العامل الثاني هو استمرار آلية EIP-1559 في إزالة العملات من التداول خلال فترات النشاط المرتفع على الشبكة. هذه الآلية، التي تم تفعيلها في عام 2021، تقوم بحرق جزء من رسوم المعاملات (base fee) بدلاً من تحويلها إلى القائمين بالتعدين (والآن المدققين). بمعنى آخر، يتم تدمير جزء من إيثريوم بشكل دائم.
خلال الفترات المزدحمة للشبكة، مثل فترات الذروة في نشاط التمويل اللامركزي (DeFi) أو الرموز غير القابلة للاستبدال (NFTs)، يتم حرق كميات أكبر من إيثريوم. هذا يؤدي إلى تقليل المعروض المتداول بشكل مستمر، مما يعوض جزئيًا العملات الجديدة التي يتم إصدارها كمكافآت للمدققين. وبالتالي، يقل عدد الرموز المتاحة للبيع عندما يصيب الذعر السوق، مما يساهم في دعم سعر إيثريوم ومنع انهيار كبير.
ارتفاع حاد في تصفية مراكز بيتكوين
على النقيض من المرونة النسبية لإيثريوم، شهدت بيتكوين ارتفاعًا واضحًا في التصفية (liquidation spike) بتاريخ 21 نوفمبر. وقد تطابقت هذه الظاهرة مع تقارير عن محو ما يقرب من 2 مليار دولار من المراكز المفتوحة في يوم واحد فقط. حدث هذا بينما انزلقت الأصول لفترة وجيزة نحو 81,000 دولار قبل أن ترتد فوق 84,000 دولار وتستعيد مستويات قرب 88,000 دولار في عطلة نهاية الأسبوع.
في الوقت الحالي، تتداول بيتكوين حول 86,000 دولار، بانخفاض يقارب 10% على مدار الأسبوع، و19% على مدار أسبوعين، و23% على مدار الشهر. من جانبها، تستقر إيثريوم قرب 2,800 دولار، وهو ما يمثل انخفاضًا بنحو 12% على مدار الأسبوع، و22% على مدار 14 يومًا، و29% على مدار الشهر. على الرغم من أن هذه التراجعات مؤلمة، إلا أنها لا تمثل الضرر المبالغ فيه الذي شهدناه في الدورات السابقة مقارنة ببيتكوين.
نسبة MVRV لبيتكوين: مؤشر على إعادة ضبط في منتصف الدورة
في سياق متصل، انخفضت نسبة MVRV لبيتكوين (Market Value to Realized Value)، وهي مقياس تقييم رئيسي على السلسلة، من حوالي 2.5 في وقت سابق من عام 2025 إلى ما يقارب 1.5 في هذا الانخفاض. غالبًا ما كانت هذه المنطقة تمثل “إعادة ضبط عميقة في منتصف الدورة” (deep mid-cycle resets) بدلاً من القمم النهائية للسوق الصاعدة. هذا يشير إلى أن التصحيح الحالي قد يكون جزءًا من دورة أكبر وأكثر صحة، بدلاً من كونه مؤشرًا على نهاية السوق الصاعدة تمامًا. فهم هذه المقاييس يمكن أن يساعد المستثمرين على التمييز بين التصحيحات الصحية والانهيارات الحقيقية.
الرافعة المالية لإيثريوم: هل هي قنبلة موقوتة؟
على الرغم من الأخبار الإيجابية الواضحة لثاني أكبر أصول رقمية في العالم من حيث القيمة السوقية، فقد أشار فنيو السوق الآخرون إلى أن صورة سوق إيثريوم الفوري الأكثر هدوءًا تخفي تراكمًا خطيرًا في سوق المشتقات المالية. هذا الجانب المظلم قد يكون مصدر قلق كبير للمستقبل.
وفقًا لـ CryptoOnchain، ارتفعت نسبة الرافعة المالية المقدرة لإيثريوم على منصة بينانس إلى مستوى قياسي بلغ 0.562، حتى مع انخفاض السعر من حوالي 4,200 دولار إلى 2,800 دولار. بعبارة أخرى، استمر المتداولون في فتح مراكز شراء برافعة مالية (leveraged longs) بينما كان الرسم البياني يتجه نحو الأسفل، مما يترك السوق عرضة لموجة أخرى من التصفية إذا اتخذت العملة المشفرة خطوة أخرى نحو الانخفاض. هذا السيناريو يذكرنا بالعديد من الحوادث السابقة في أسواق العملات المشفرة حيث أدت الرافعة المالية المفرطة إلى تصفية متتالية وعمليات بيع قوية. إن تراكم الرافعة المالية يمكن أن يكون بمثابة قنبلة موقوتة، تهدد بإحداث اضطرابات كبيرة في السوق إذا ما تغيرت الظروف فجأة.
“سوق الحمار الوحشي”: قراءة بيانات البلوك تشين في فترات التقلب
في سياق آخر، يصف المحللون المناخ الحالي بأنه “سوق الحمار الوحشي” (Zebra Market)، وهو مصطلح صاغته XWIN Research لوصف بيئة تتميز بتقلبات أسعار حادة (أبيض وأسود)، بدلاً من اتجاه صعودي أو هبوطي مستمر. في مثل هذه الظروف، حيث يسود عدم اليقين والتقلب، تصبح بيانات السلسلة (On-Chain Data) أداة بالغة الأهمية لفصل الإشارة عن الضوضاء.
بالنسبة للوقت الحالي، يؤكد المحللون أن هذه الحلقة تمثل “تطهيرًا” بقيادة بيتكوين في منتصف دورة متقلبة (choppy mid-cycle)، وليست بداية لانهيار إيثريوم. هذا التمييز حاسم، لأنه يوجه المتداولين والمستثمرين نحو فهم أعمق لما يحدث بالفعل تحت السطح، بدلاً من مجرد رد فعل على تقلبات الأسعار الظاهرية. إن القدرة على قراءة وتحليل بيانات البلوك تشين تمنح ميزة تنافسية في بيئة سوقية معقدة ومتغيرة باستمرار.
الخلاصة: فهم الديناميكيات المتغيرة لسوق العملات المشفرة
في الختام، يكشف التحليل المتعمق لبيانات السلسلة عن تباين واضح في أداء بيتكوين وإيثريوم خلال التراجعات الأخيرة في السوق. بينما شهدت بيتكوين موجة ذعر وتصفية عنيفة، أظهرت إيثريوم مرونة ملحوظة، مدعومة بآليات بنيوية مثل الرهن العقاري وآلية EIP-1559 التي تحد من المعروض المتداول.
ومع ذلك، فإن تراكم الرافعة المالية في سوق مشتقات إيثريوم يمثل نقطة ضعف محتملة يجب الانتباه إليها. إن فهمنا للسوق على أنه “سوق حمار وحشي” – مليء بالتقلبات الحادة – يؤكد على أهمية بيانات السلسلة كأداة لا غنى عنها لفصل الإشارة عن الضوضاء وتشكيل قرارات استثمارية مستنيرة. في عالم العملات المشفرة سريع التطور، يظل التعلم المستمر والتحليل الدقيق هما مفتاح النجاح.
