بيتكوين والمخاطر المالية: كيف أثر تذبذب العملة على شركة Strategy ومستقبل استثماراتها؟
شهدت عملة البيتكوين (BTC)، رائدة العملات المشفرة، تقلبات حادة في الآونة الأخيرة، فبعد انتعاش بنسبة 9% يوم الثلاثاء، كانت العملة قد هوت إلى مستوى 84,000 دولار أمريكي قبل 24 ساعة فقط. هذا التراجع الحاد لم يكن مجرد حدث عابر في سوق العملات الرقمية؛ بل كان له تأثير كبير ومباشر على شركة Strategy (المعروفة سابقًا باسم MicroStrategy)، الشركة العامة التي تمتلك أكبر احتياطيات من البيتكوين في العالم، والتي تفخر بامتلاكها حاليًا أكثر من 650,000 عملة بيتكوين.
إن مكانة Strategy كأحد أكبر حاملي البيتكوين يجعلها عرضة بشكل خاص لتقلبات السوق. فكل حركة سعرية كبيرة للبيتكوين تنعكس بشكل مباشر على قيمتها السوقية ووضعها المالي. هذه العلاقة المتشابكة بين أداء البيتكوين وصحة Strategy المالية باتت محور اهتمام المستثمرين والمحللين على حد سواء، خاصةً في ظل التحديات التي يواجهها سوق العملات المشفرة حاليًا.
صناديق Strategy المتداولة (ETFs) تتكبد خسائر فادحة: هل بدأ بيع البيتكوين؟
تزايدت المخاوف بشأن الصحة المالية لشركة Strategy بعد تقارير NewsBTC التي أشارت إلى تصريحات الرئيس التنفيذي للشركة، فونج لي (Phong Le)، الذي لمّح إلى إمكانية بيع جزء من حيازاتهم من البيتكوين في ظل الظروف الراهنة للسوق. هذا التصريح، الذي يُعد تحولًا ملحوظًا في استراتيجية الشركة التي اشتهرت بالاحتفاظ بالبيتكوين على المدى الطويل، أثار العديد من التساؤلات حول مدى جدية الشركة في مواجهة الضغوط المالية.
لم تقتصر التحديات على حيازات البيتكوين المباشرة فحسب، بل امتدت لتشمل صناديق المؤشرات المتداولة (ETFs) ذات الرافعة المالية التابعة للشركة. هذه الصناديق، المصممة لتضخيم العوائد على أسهم الشركة، كانت من بين أكبر ضحايا الانكماش في سوق العملات المشفرة هذا العام، وفقًا لما أبرزته وكالة رويترز. وقد شهد اثنان من صناديق المؤشرات المتداولة هذه، وهما T-Rex 2X Long MSTR Daily Target ETF و Defiance Daily Target 2x Long MSTR ETF، انخفاضات كارثية، حيث فقدا ما يقرب من 85% من قيمتهما هذا العام. وعلى نحو لا يقل إثارة للقلق، انخفض صندوق T-Rex 2X Inverse MSTR Daily Target ETF بنسبة 48% خلال الفترة الزمنية نفسها، مما يعكس الضغوط الشديدة التي تواجهها استراتيجيات الاستثمار المعقدة للشركة.
في هذا المناخ المتقلب، تراجعت أسهم Strategy (MSTR) بأكثر من 40% هذا العام، مدفوعة بشكل أساسي بانهيار أسعار البيتكوين. هذا الأداء الضعيف لسهم الشركة يعكس حالة عدم اليقين والقلق التي تسيطر على المستثمرين، الذين يراقبون عن كثب كل تطور في سوق العملات الرقمية وتأثيره على الأصول الرئيسية لـ Strategy.
مؤشر mNAV ومستقبل الشركة: نقطة تحول محتملة
يتركز اهتمام المستثمرين الآن على مؤشر “mNAV” (القيمة الصافية السوقية للأصول) لشركة Strategy، والذي يقارن القيمة السوقية للمؤسسة بحيازاتها من البيتكوين. بعد تعليقات لي، التي ذكر فيها أن الشركة قد تفكر في بيع العملات المشفرة إذا انخفض مؤشر mNAV إلى أقل من 1، نمت المخاوف بشأن التوقعات طويلة الأجل للشركة. وتشير التقديرات الحالية إلى أن هذه النسبة تبلغ حوالي 1.1، وفقًا لحسابات رويترز. وهذا يعني أن الشركة تقف على حافة اتخاذ قرارات مصيرية قد تغير مسارها الاستثماري بشكل جذري.
إذا ما انخفضت هذه النسبة إلى ما دون الواحد، فقد تجد Strategy نفسها مضطرة لإعادة تقييم استراتيجيتها القائمة على الاحتفاظ بالبيتكوين، وربما اللجوء إلى بيع بعض أصولها لتلبية الالتزامات المالية أو لتهدئة مخاوف المستثمرين. هذا السيناريو يمثل تحديًا كبيرًا للشركة، التي لطالما كانت رائدة في تبني البيتكوين كأصل أساسي للخزانة.
المحللون يحافظون على تفاؤلهم رغم التحديات: نظرة متناقضة
على الرغم من الأداء المخيب للآمال والتقلبات الكبيرة، لا يزال المحللون يبدون تفاؤلًا نسبيًا بشأن Strategy. وقد أشار مايك أورورك (Mike O’Rourke)، كبير استراتيجيي السوق في JonesTrading، إلى أن تصريحات لي تقلل من رسالة الشركة المتعلقة بالثبات في الاحتفاظ بالبيتكوين، حتى في خضم تقلبات السوق. وهذا التحول في الخطاب قد يؤثر على ثقة بعض المستثمرين الذين اعتادوا على الموقف الصارم للشركة تجاه البيتكوين.
وقد عدلت الشركة أيضًا توقعاتها للعام بأكمله، محذرة من احتمال تحقيق أرباح تتراوح بين 6.3 مليار دولار وخسارة قدرها 5.5 مليار دولار، وهو تعديل صارخ لتوقعاتها السابقة التي كانت تتوقع صافي ربح قدره 24 مليار دولار. هذا التقدير السابق، الذي صدر في 30 أكتوبر، كان يتوقع أن يصل سعر البيتكوين إلى 150,000 دولار بحلول نهاية العام، وهو ما يبدو بعيد المنال حاليًا.
تعليقًا على الاستراتيجيات المتغيرة داخل الشركة، صرح فينتشينزو فيدا (Vincenzo Vedda)، الرئيس التنفيذي للاستثمار في DWS، قائلًا: “استراتيجية رائعة من Strategy، بينما ترتفع الأسعار. عندما تنخفض، تكون الخيارات الاستراتيجية المتاحة للشركة محدودة.” هذه الملاحظة تلخص المعضلة التي تواجهها Strategy حاليًا: كيف تحافظ على رؤيتها طويلة الأجل للبيتكوين مع إدارة المخاطر قصيرة الأجل وتقلبات السوق؟
منذ دخولها مؤشر ناسداك 100، انخفضت أسهم Strategy بأكثر من 70% من ذروتها في نوفمبر 2024 (ملاحظة: يبدو أن هذا التاريخ قد يكون خطأ مطبعي في النص الأصلي، فالتاريخ لاحق، لكن سألتزم به كما هو)، أي أكثر من النصف خلال العام. ومع ذلك، لا تزال معنويات المحللين إيجابية نسبيًا؛ فمن بين 16 وساطة مالية تراقب Strategy، يوصي 10 منهم بـ “الشراء” بينما يقترح أربعة “شراء قوي”، بمتوسط سعر مستهدف قدره 485 دولارًا، مما يعكس زيادة محتملة بنسبة 183% خلال العام المقبل بناءً على بيانات LSEG. هذا التفاؤل يثير الدهشة في ظل الأداء الحالي، وقد يشير إلى إيمان طويل الأجل بإمكانات الشركة أو بمرونة البيتكوين نفسها.
بيتكوين تستعيد عافيتها: بصيص أمل في الأفق؟
في وقت كتابة هذا المقال، تمكنت عملة البيتكوين، العملة المشفرة الرائدة في السوق، من استعادة مستوى 92,000 دولار. هذا الانتعاش الطفيف قد يقدم بعض الراحة لشركة Strategy ومستثمريها، ولكنه أيضًا تذكير دائم بالطبيعة المتقلبة لسوق العملات المشفرة. إن قدرة البيتكوين على التعافي السريع بعد الانخفاضات الحادة هي سمة مميزة للسوق، ولكنها تتطلب أيضًا من المستثمرين التحلي بالصبر والتحمل للمخاطر.
يبقى السؤال مطروحًا: هل ستتمكن Strategy من التغلب على هذه الفترة المضطربة، أم أن تصريحات الرئيس التنفيذي تشير إلى بداية تحول جذري في سياستها؟ الأيام القادمة ستكشف المزيد عن مسار هذه الشركة العملاقة ومدى قدرتها على التكيف مع بيئة السوق المتغيرة.
خلاصة: تظل العلاقة بين أداء البيتكوين ووضع Strategy المالي معقدة وديناميكية. وبينما يواجه المستثمرون تحديات كبيرة، فإن التفاؤل الحذر للمحللين يشير إلى أن هناك إيمانًا كامنًا بقدرة الشركة على تجاوز هذه المرحلة. إن مستقبل استثمارات Strategy، وبالتالي مستقبل حيازاتها الهائلة من البيتكوين، سيعتمد بشكل كبير على كيفية إدارة الشركة لهذه التقلبات والاستجابة للضغوط المتزايدة في السوق.

